ابن الفارض

34

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

بخلاف صاحب الجمع الصرف ، فإن حاله يرتفع بالمخالطة والنظر إلى صور أجزاء الكون ، وصاحب جمع الجمع لو نظر إلى عالم التفرقة لم ير صورة الأكوان ، إلّا آلات يستعملها فاعل واحد ، بل لا يراها في الجمع فيجمع كل الأفعال في أفعاله ، وكل الصفات في صفاته ، بل كل الذّوات [ 34 / ق ] في ذواته حتى لو أحسّ بشيء يراه المحس ونفسه الحسّ ، والحس صفحة المحس ، فتارة يكون هو صفة المحبوب وآلة علمه ؛ كما قال - رحمه اللّه - : فكن بصرا وانظر ، وسمعا وعه ، وكن * لسانا وقل بالجمع أهدى طريقة وتارة يكون المحبوب صفة وآلة علمه وتصرّفه ؛ كقوله سبحانه : « كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا » « 1 » . كما لا يتطرق السكر إلى الصحو الثاني ، فكذلك لا يصيب التفرقة هذا الجمع لأن مطلعه أفق الذات المجرّدة ، وهو الأفق الأعلى ومطلع الجمع الصرف أفق اسم الجامع وهو الأفق الذاتي ؛ كما قال - رحمه اللّه تعالى - : ومن أفقي الذّاتي اجتدى رفقي الهدى * ومن فرقي الثاني بدى جمع وحدتي والجمع الصرف يورث الزندقة والإلحاد ، ويحكم برفع أحكام الظاهر كما أن التفرقة المحصنة تقتضي تعطيل الفاعل المطلق والجمع مع التفرقة يفيد حقيقة التوحيد والتميّز بين أحكام الربوبية والعبودية ؛ ولهذا قالت الصوفية : « الجمع بلا تفرقة زندقة ، والتفرقة بلا جمع تعطيل والجمع مع التفرقة توحيد » . ولصاحب الجمع أن يضيف إلى نفسه كل أثر ظهر في الوجود ، وكل فعل وصفة واسم ؛ لانحصار الكل عنده في ذات واحدة ، فتارة يحكي عن حال هذا ، وتارة عن حال ذاك ، ولا نعني بقولنا : قال فلان بلسان الجمع إلّا هذا ، والجمع وادي ينصب إلى بحر التوحيد .

--> ( 1 ) رواه ابن الجوزي في العلل المتناهية ( 1 / 44 ) ، وأورده في صفوة الصفوة ( 1 / 40 ) ، ورواه ابن أبي الدنيا في الأولياء ( ص 9 ) ، وأورده ابن رجب في جامع العلوم والحكم ( ص 359 ) ، والحافظ في الفتح ( 11 / 344 ) .